مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، تشهد الأسواق الأسبوعية بمدينة آسفي تهافتًا لافتًا من المترشحين والمترشحات. فهذه الفضاءات الشعبية تضم الفئة الناخبة الأكثر وفاءً للأشخاص لا للأحزاب، وللوجوه لا للبرامج أو المرجعيات الفكرية والسياسية. وهكذا تُستغَل عفوية الناس وضعف حيلتهم، في وقت لا يدركون فيه غالبًا أبسط الحقوق التي تُسلب منهم يومًا بعد يوم.
والمفارقة أن الوجوه ذاتها التي تترشح للترافع عن قضايا المدينة داخل قبة البرلمان، لا تحضر خلال الولاية التشريعية سوى جلسات معدودة، بل إن بعضها يكتفي بالحضور الشكلي دون أثر يُذكر في التشريع أو المراقبة أو المبادرة التشريعية. فآسفي، رغم عراقتها التاريخية وموقعها الاستراتيجي على الواجهة الأطلسية، لم تنل بعد نصيبها العادل من التنمية، وما تزال عجلتها متعثرة، عاجزة عن السير ولو بأدنى السرعتين .
ولا يُسمع عن هذه المدينة في الإعلام الوطني، في الغالب، إلا حين تُكشف شحنة من المخدرات على سواحلها، أو حين يغرق شبابها في عرض بحرها بحثًا عن مستقبل أفضل في الضفة الأخرى، أو حين تجتاح شوارعها مياه الفيضانات فتكشف هشاشة بنيتها التحتية. أما من تبقّى من أبنائها بين ظهرانيها، فغارق في الإهمال والتهميش والبطالة، وبعضهم ينجرف نحو آفة المخدرات هروبًا من واقع مسدود الأفق.
فأي أفق يُرتجى، ونحن نرى الوجوه نفسها تتكرر انتخابًا بعد انتخاب، والعائلات ذاتها تتوارث مواقع النفوذ والتأثير، وكأن آسفي أصبحت شبه ملك خاص لبعض العائلات دون سواها؟
ومن، في المقابل، يلتفت إلى النساء اللواتي تتآكل أجسادهن يوميًا في معامل التصبير، مقابل أجور زهيدة لا تكاد تسد رمقًا، بينما يقتات أزواجهن من عطاء البحر لتغطية الحاجيات اليومية، ولتمكين أبنائهم من متابعة مسارهم الدراسي؟ وحتى إن تحقق ذلك، فإن الطريق الوحيد أمام هؤلاء الأبناء هو الالتحاق بالكلية التابعة لجامعة مراكش، إذ لا تتوفر مدينة يفوق عدد سكانها 600 ألف نسمة على جامعة خاصة بها تليق بحجمها الديمغرافي وثقلها التاريخي. أما مسار التكوين المهني، فهو الآخر يعاني من الاكتظاظ الشديد، مما يجعله ذو استقطاب محدود وشروط الولوج إليه صعبة لمن يختار شعبة من المفترض أن تُسرّع ولوجه إلى سوق الشغل.
وأي شغل، إن وُجد أصلاً، يضطر الشاب الآسفي غالبًا إلى مغادرة مدينته الأم بحثًا عنه، ما دامت آسفي لا تتوفر على مشاريع استراتيجية أو استثمارات هيكلية حقيقية قادرة على استيعاب اليد العاملة المحلية. وإن وُجدت بعض المبادرات، فهي تبقى محتشمة، لا ترقى إلى حجم التحديات التنموية والاجتماعية التي تعيشها المدينة.
وهنا تُطرح جملة من الأسئلة المشروعة: ماذا بمقدور هؤلاء المترشحين أن يقدموه فعليًا في ظل هذه الظروف؟ وما هي برامجهم الانتخابية الحقيقية؟ هل هي ذاتها التي قدموها في الدورات الانتخابية السابقة دون أن يُنجزوا منها شيئًا يُذكر على أرض الواقع؟ وهل يملكون فعلاً القدرة على تدبير الشأن العام لمدينة بأكملها، وهم عجزوا في كثير من الأحيان حتى عن تدبير شؤونهم الخاصة بنزاهة وكفاءة؟
أما آن الأوان لتطوي آسفي صفحة هذه السنوات العجاف التي مرت عليها متعاقبة؟ أما آن لعام يُغاث فيه أهلها ويُسقَون، بعد طول انتظار وصبر؟
فرفقًا بهذه المدينة العريقة، ورفقًا بأهلها الطيبين الذين يستحقون أفقًا أفضل مما هم فيه.
بقلم عبد الرفيع درقاوي

