الدراسة التي أشرفت عليها نرجس الرغاي، عبر مجموعة العمل المعنية بالتقنين ووسائل الإعلام الرقمية، لم تكتفِ بتشخيص الواقع، بل رفعت الغطاء عن مفارقة صارخة: أحزاب سياسية عتيقة تحاول ارتداء عباءة “المؤثرين”، بينما تظل مواقعها الرسمية أطلالاً خاوية لا تقنع حتى مناضليها.

الفضاءات الرقمية: لكل منصة “زبونها” وخطابها

يكشف التقرير عن خارطة استخدام دقيقة للمنصات الكبرى، حيث وزعت الأدوار وكأنها أُعدت بعناية في وكالة إعلانات:

  • فيسبوك: الحصان الرابح والقاعدة الخلفية القارة لتبادل الآراء والقرب من نبض المواطن.
  • تيك توك: الجسر السريع نحو الأجيال الصاعدة، حيث تستثمر الأحزاب رغبتها في الانتشار الواسع بعيداً عن صرامة الأوراق السياسية.
  • يوتيوب: المنصة الأغنى إمكانات سردية، والتي تُركت –بحسب الدراسة– رهينة استغلال باهت لم يوظف طاقاتها التفسيرية بما يكفي.
  • منصة “إكس” (تويتر سابقاً): ساحة المعارك السريعة ونقل الصدمات الإخبارية داخل النخبة الإعلامية والسياسية.

أما المواقع الإلكترونية الرسمية للأحزاب الاثني عشر الممثلة في البرلمان، فوصفتها الدراسة بـ”المؤسساتية البحتة”، عاجزة عن جذب انتباه الشارع، وكأنها بُنيت لأداء واجب إداري لا لتأسيس تواصل حقيقي.

أرقام تفضح “الحماس الموسمي”

المثير في هذه الدراسة أنها تجنبت فخ الفترة الانتخابية ومواسم الحصاد السياسي، واختارت الفترة الممتدة من يناير إلى ماي 2026 لمراقبة الدينامية الحزبية في “زمن السلم الانتخابي”.

الأرقام جاءت كاشفة لطبيعة الحضور الرقمي: 2651 منشُوراً على فيسبوك مقابل 925 فيديو على تيك توك لستة أحزاب، و507 فيديوهات لخمسة أحزاب على يوتيوب، بينما اكتفت أربعة أحزاب بنشر 1012 منشوراً على “إكس”. هذه الأرقام تعكس تبايناً حاداً في استراتيجيات التفاعل الرقمي بين التنظيمات السياسية، بين من يغرد باستمرار ومن يكتفي بالصمت حتى إشعار آخر.

شبح “الديمقراطية الخاضعة للخوارزميات”

لكن الوجه الآخر للمد الرقمي ليس بالضرورة وردياً. فقد حذرت “الهاكا” بلسان نرجس الرغاي من مخاطر جسيمة تهدد عمق الممارسة الديمقراطية، أبرزها:

  1. التضليل الإعلامي والتلاعب الخوارزمي: وهي أدوات قادرة على تزييف الوعي وتشويه الواقع السياسي.
  2. الاستقطاب السياسي: الذي يغذي الانقسامات ويحول النقاش العمومي إلى ملاسنات رقمية.
  3. سيطرة عمالقة الإنترنت: وما يعنيه ذلك من غياب للشفافية، معتبرة أننا نعيش تحت رحمة “خوارزميات غامضة” تفرض إشكالية حقيقية على المراقبة المواطنة.

أي مخرج؟

تخلص الدراسة إلى حقيقة لا غبار عليها: تأثير الشبكات الاجتماعية ليس قدراً محتوماً، بل هو مرهون بمدى قدرة المجتمع –مؤسسات ومجتمعاً مدنياً وأفراداً– على بناء ثقافة رقمية مسؤولة.

التحدي الحقيقي، بحسب الرغاي، لا يكمن في تقييد حرية الفضاء الرقمي، بل في صياغة منظومة وطنية توازن بحكمة بين حماية الثوابت الوطنية ومقتضيات الانفتاح والابتكار، مع تحصين المواطن عبر التربية على الإعلام الرقمي. فهل تفهم أحزابنا أن السياسة اليوم لم تعد تُدار بالبيانات البلاغية، بل بمدى القدرة على فهم لغة الخوارزميات دون السقوط في فخها؟