جدار الحسابات الهزيلة وضغوط اللااستقرار
تعكس شهادات المربيات في الميدان حجم المعاناة اليومية التي يعشنها؛ حيث تؤكد إحدى المربيات الصعوبات المالية والنفسية المرتبطة بالعمل تحت ظروف عقود محددة أو غير محددة المدة دون ضمان استقرار وظيفي حقيقي، مع تقاضي أجور شهرية تتراوح في مجملها بين 3200 و3500 درهم عن عمل يومي يمتد لزهاء خمس ساعات، وهي مستويات أجرية يراها المهنيون غير مجدية بالنظر لتصاعد تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار المواد الأساسية بالبلاد.
وترتبط هذه الهشاشة المهنية والاجتماعية بالجانب التربوي والنفسي داخل الفصول؛ إذ يشير المشتغلون إلى صعوبة فصل الإحباط الاجتماعي عن الممارسة التعليمية اليومية مع الأطفال، رغم الحرص المتواصل على بذر الأمل في نفوس الناشئة في مستهل مسارهم الدراسي.
من مبادرات متفرقة إلى خيار "التدبير التفويضي"
يعود أصل الاحتقان المستمر إلى المسار التاريخي للبرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي المنطلق في يوليوز 2018، والذي وضع ضمن أهدافه تحقيق التعميم التام بحلول الموسم الدراسي 2027-2028، وإدماج هذا السلك ضمن منظومة السلك الابتدائي عبر الاعتماد على الشراكة مع منظمات المجتمع المدني والأكاديميات الجهوية.
وحول هذا التحول التنظيمي، يوضح حسن الحرشي، القيادي في النقابة الوطنية للتعليم التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن القطاع انتقل من المبادرات الفردية والكتاتيب القرآنية إلى الهيكلة المؤسساتية. غير أن هذه الأخيرة فتحت الباب أمام أنماط جديدة من الاستغلال، تبدلت خلالها خريطة المشهد بين جمعيات محلية صغيرة وأخرى كبرى حظيت بحق التأطير والتدبير الشامل.
ويرى المسؤول النقابي أن الإشكال الجوهري لا يقف عند الحدود المالية وامتيازات التغطية الاجتماعية، بل يتجلى في التناقض القائم بين اشتغال المربين داخل المؤسسات التعليمية العمومية وتحت الإشراف التربوي للمديريات الإقليمية، وبين تصنيفهم كأجراء لدى القطاع الخاص عبر العقود المبرمة مع الجمعيات الشريكة.
أزمة الوساطة ورهانات الإصلاح
أفضى اعتماد شروط جديدة لمواكبة التعميم –مثل إجبارية شهادة الإجازة والارتباط عبر وكالات التشغيل "أنابيك"– إلى مخاوف متزايدة بشأن مصير المربيات والمربين القدامى الذين تراكمت لديهم سنوات من الخبرة الميدانية دون التوفر على الشواهد الجامعية، وهو ما جعل التكتلات النقابية تطالب بتثبيت حقوق هؤلاء العاملين وصيانة مكتسباتهم.
ومع بلوغ المخطط الوطني لتعميم التعليم الأولي أشواره الحسم، يتضح أن الاستثمار في المبانِ وتوسيع الأقسام القروية والحضرية لن يؤدي أهدافه التربوية دون الاستثمار الفعلي في العنصر البشري؛ عبر فتح قناة حوار جاد تفضي إلى صياغة حلول هيكلية تضمن الأمن الوظيفي وتنهي أشكال الوساطة كافة لصالح منظومة تعليمية متكاملة.

